الرأي والتحليل

محمد عثمان الرضي يكتب: الصحافة فوق الحظر: حين تتمرّد المكاتب على القرار السيادي ويُعاقَب الصحفي لأنه قال الحقيقة

لم تعد الصحافة في السودان مجرد سلطة رابعة كما يُروَّج في المناهج والنصوص الكلاسيكية، بل تحولت واقعًا إلى السلطة الأولى، الأكثر تأثيرًا، والأشد إزعاجًا لمن اعتادوا إدارة الدولة بعقلية الظل.
الصحافة اليوم لا تنتظر الحدث، بل تصنعه، ولا تكتفي بالمراقبة، بل تفرض المساءلة، ولا تساوم على الحقيقة مهما ارتفعت كلفة المواجهة.
هي الصوت الذي يقتحم الصمت الرسمي، ويكسر التواطؤ، ويفضح الاختلالات التي يراد لها أن تعيش في الظلام.
الصحافة تحسّس جراح الوطن بلا قفازات، تشخّص الداء بلا مجاملة، وتصف العلاج بلا خوف، ثم تلاحق التنفيذ حتى النهاية.
من يصف الصحافة بالعداء، إنما يعادي الحقيقة، ويخشى الضوء، ويعترف ضمنيًا بعدم أهليته للمنصب الذي يشغله.
بالأمس القريب، توجهت إلى مباني الإدارة العامة لشرطة الجوازات لاستخراج جواز سفر، وهو حق دستوري لا يحتاج إلى وساطة ولا إذن.
غير أن الصدمة كانت حاضرة، حين أبلغني مدير الإدارة اللواء شرطة عبدالمحمود العوض بأنني محظور من السفر.
لم يكن الحظر بحكم قضائي، ولا بإدانة قانونية، بل بسبب بلاغ “رأي عام” بنيابة المعلوماتية بمدينة بورتسودان، العاصمة الإدارية المؤقتة.
هكذا تُدار الحقوق في السودان: بلاغ بلا حكم، وإجراء بلا سند، وحظر يُنفَّذ بجرّة قلم.
الأخطر من ذلك، أن هذا الحظر تم في تحدٍ مباشر لتوجيهات رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان، التي نصّت صراحة على عدم منع المواطنين من الحصول على أوراقهم الثبوتية بسبب بلاغات جنائية.
وهنا يبرز السؤال الأخطر: من الذي يتجرأ على تجاوز القرار السيادي؟ ومن الذي يمنح نفسه سلطة أعلى من رأس الدولة؟
رئيس هيئة السجل المدني والجوازات، الفريق شرطة عثمان محمد الحسن دينكاوي، أكد لي رسميًا تنفيذ توجيهات رئيس مجلس السيادة، ووضع حد نهائي لسياسة الحظر.
وبالفعل، باشرت فرق شرطة الجوازات مهامها، وبدأت في استخراج كافة الأوراق الثبوتية، بما فيها جوازات السفر، دون انتقائية أو تعسف.
الجنرال دينكاوي لم يكتفِ بالتنفيذ، بل حرص على إبلاغي شخصيًا، لأنني الصحفي الوحيد الذي فتح هذا الملف وواجه به الرأي العام.
وهنا تتجلى قوة الصحافة: تكتب، فتُجبر الدولة على التصحيح، حتى وإن أغضب ذلك مراكز النفوذ.
الحظر ليس لعبة إدارية، بل إجراء خطير يجب أن يُحصر في الأرقام الوطنية المزوّرة وحالات الاحتيال المثبتة قانونًا.
أما تحويل البلاغات إلى أدوات عقاب سياسي وإعلامي، فهو فساد صريح تحت غطاء القانون.
الحظر المرتبط بالأطفال أو الأحوال المدنية شأن قضائي بحت، لا علاقة له بتصفية الحسابات ولا بتكميم الأصوات.
ما يستحق التوقف عنده، هو اهتمام الفريق دينكاوي بما يُكتب في الصحافة، وحرصه على المتابعة والتصحيح والتواصل.
مسؤول يقرأ، يناقش، ويصحح… هذه سلوكيات دولة، لا مظاهر ضعف كما يظن الجبناء.
في المقابل، هناك مسؤولون يرتعدون من المقال، ويخشون العنوان، لأنهم يعلمون أن ما تحت الطاولة لا يحتمل الضوء.
هؤلاء لا يخافون على الدولة، بل على كراسيهم، ومصالحهم، وملفاتهم المؤجلة.
ومن يرتجف من الصحافة، هو فاقد الثقة، ومهزوم داخليًا، ولا يصلح أن يكون في موقع قيادة.
وفي هذا السياق، أكد رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبدالفتاح البرهان، أنه على يقين تام بمتابعة قراراته بنفسه، ولا يتركها فريسة للعبث الإداري أو التأويل المصلحي.
كما شدد على أنه يقرأ باهتمام ما تتناوله الصحافة، رغم عِظم وجسامة مهامه الوطنية، وهو ما يفضح كل من يتذرع بعدم العلم أو يتخفى خلف مؤسسات الدولة لمخالفة القرار السيادي.
وبعد هذا التأكيد، فإن أي تجاوز لاحق للتوجيهات لا يُعد خطأ إداريًا، بل تمردًا صريحًا على رأس الدولة، واستخفافًا بالمسؤولية الوطنية.
الدولة التي تحارب الصحافة، لا تحمي نفسها، بل تعجّل بانهيار ثقة مواطنيها.
والصحافة، مهما حُوصرت أو حُوربت، ستظل سلطة لا تُحظر، لأنها ببساطة… صوت الناس، وحقهم في أن يعرفوا الحقيقة كاملة بلا رتوش.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى